قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المقدّم لمجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة خلال انعقاده في دورته الاربعين لعام ٢٠١٩


05 Apr
05Apr

قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المنشور بتاريخ ٢٨/٢/٢٠١٩


 نشرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنيّة بسوريا في نهاية شهر شباط الماضي تقريرها الدوري الذي ستتقدم به في تاريخ ١٢/٣/٢٠١٩ الى مجلس حقوق الإنسان المنعقد في دورته الأربعون بجنيف . و بحصولنا على نسخة من التقرير المشار اليه و إطلاعنا عليه ، لا نخفيكم ما انتابنا من إمتعاضٍ شديدٍ و دهشة جرّاء ما ورد في مضمونه من خلال سرد اللجنة لبعض الأحداث و الاستنتاجات التي تقول بأنها توصّلت إليها تبعا لتلك الوقائع و الأحداث التي عاينتها ، و لا يمكن القول عن تلك الاستنتاجات إلاّ أنها لا تمت إلى الاستقلالية و المهنية و المسؤولية بصلة .  و يكفينا أن نسلّط الضوء على ما ورد في التقرير بشأن عفرين و واقعها كإحدى المناطق السورية الداخلة في نطاق عمل و مهام اللجنة الدولية ، لتكون مرآةّ لصورة التقرير بالمجمل . في هذا السياق ورد شأن عفرين في التقرير ضمن الفقرات التالية : ( في عموميات الموجز ، الفقرة ٧ ، الفقرة ٣٤ ، الفقرة ٣٥ ، الفقرة ٦٣ من ٦٣ حتى الفقرة ٧١ ، الفقرة ٨٩ ) . حيث يبدأ التقرير تحت العنوان (موجز) بوصف عموم المشهد في مناطق سورية و أرجاءها ، فنسب بشكل واضح سبب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين إلى كل من القوات الموالية للحكومة السورية و قوات سوريا الديمقراطية و الإئتلاف الدولي ، في المقابل يكتفي التقرير بذكر أن أعمال الاعتقال و الاحتجاز التعسفية منتشرة في كل أرجاء عفرين ، دون أي إشارة لمن يرتكبها. و للقارئ الكريم أن يلاحظ بدءاً من هنا و حتى آخر فقرات التقرير مدى تحاشي اللجنة ذكر أي كلمة قد يثار من خلالها أي شكّ  أو شبهة حول تركيا ومسؤوليتها . وله ان يلاحظ ايضاً الحرج الذي تواجهه اللجنة حتى في الوصف الذي ستطلقه على تركيا في اي حديث حول ما بعد انتهاء العملية مباشرةً . فمجرد انتهاء العمليات و الاشتباكات و المقاومة يصبح وصف اللجنة للوجود التركي في عفرين مكلفاً للغاية ، حيث حتى لو لم تنطق او تذكر و صف الاحتلال صراحة فإن أي دلالة أو مؤشر لثبوت ذلك الوصف يُحمّل تركيا جملة كبيرة من المسؤوليات ، و مسؤوليات جرائم يوم الجراد الأول تكفي . لذلك لاحظنا كيف ان اللجنة تحاشت ذلك أعلاه و ستتحاشى ذلك في كل الفقرات اللاحقة ، و ذلك في محاباة واضحة منها لتركيا ، لا بل سنجدها تستبسل في ابعاد الوصف عنها للأسف . نأتي الآن الى الفقرة السابعة من التقرير..حيث يشير الى وقوع جرائم الاعتقال و الاحتجاز التعسفي ،و الاعتقال لاجل الابتزاز و الفدية ، و السلب و النهب ، و الاستيلاء على الممتلكات ، و تفخيخ السيارات . و لكن ماذا بالنسبة لجهة المسؤولية عن تلك الجرائم؟ تشير الفقرة بوضوح الى وجود مجموعة كبيرة من الجهات المسلحة الفاعلة في عفرين تتشارك السلطة فيها ، أي بمعنى تمارس كل جهة سلطتها الى جانب الاخرى على حد سواء، و دون ان تكون لأي منها ولاية على الاخرى أو ولاء لأخرى . و بالتالي و مع أن الفقرة لم تأتي أصلا على ذكر تركيا ، فإن اللجنة حتى و لو كانت تعتبر تركيا ضمن جهة من تلك الجهات ، فإنها تعتبرها على الاساس الذي لا ولاية لها على أحد و انها مثلها مثل أي جهة او طرف من تلك الاطراف ، لا بل إن الفقرة لا تبعد و تنفي المسؤولية عن تركيا فحسب ، بل و عن باقي الجهات المسلحة ايضا ، على اعتبار أنّ كثرتها و عدم معرفة الرقعة التي تحكمها كل جهة يجعل من المحال تحديد مسؤوليتها . اذاً ...هذا يقودنا إلى استنتاج أسوأ من ذلك و أخطر ، و مفاده إن  ذكر الجرائم دون ذات أهمية و قيمة طالما لم يحدد التقرير المسؤول عن ارتكابها و قيّدتها ضمناً ضد مجهول. و المؤلم أكثر في الفقرة هي السذاجة في تعبير اللجنة و مستوى استخفافها بالعقول من خلال اشارتها الى الارتباك الذي يعيشه السكان بشأن تحديد الجهة المسؤولة عن معالجة المظالم .و كأنّ عفرين ملأى بالمحاكم و دور الإنصاف و السكان في حيرةٍ إزاء من تختص من تلك الدور  بشكواهم ، و أيضا كأنّ السكان يجهلون من يحكم عفرين و يجهلون من بيده الأمر و النهي فيها ، ولا يعلمون بأن ما من مسلّح يتحرّك دون أمرٍ من تركيا . لنأتي الآن الى الفقرة ( ٣٤) ...حيث تكتفي بذكر العدد التقريبي للفصائل المسلّحة في عفرين و بعض محيطها و التي هي قرابة الخمسون فصيلا ، و يذكر أهمها . في الفقرة (٣٥) ... يركّز التقرير على الجانب الأمني في عفرين و انعدامه نتيجة اقتتال الفصائل فيما بينها على نقاط السيطرة ، كما يذكر أعمال التفخيخ و تفجير سوق الهال مثالا عنها . و يبدو أن اللجنة تقصد بإقتتال الفصائل على نقاط السيطرة ، مسرحيات الاقتتال تلك التي ظهرت بين الفصائل منذ فترة ( جيش الشرقية و بقية الفصائل) و بتعليمات تركية ، بغية التحلل من التبعات و المسؤوليات القانونية ، و يبدو انها نجحت ، فها هي اللجنة الدولية تساهم معها في ذلك . نأتي الى الفقرة (٦٣) من التقرير.. حيث تتحدث بداية عن الغياب العام لسيادة القانون و تشير الى عمليات الابتزاز ، أما النقطة الأبرز و الأغرب في الفقرة فهي أنها تنسب السيطرة الفعلية على المناطق الفرعية الى الجماعات المسلحة و ممارستها للنهب و الاحتجاز و الاختطاف، ثم تختتم الفقرة بعدم تمكنها من التأكد فيما اذا كانت تركيا قادرة على ضبط سلوك تلك الجماعات ام لا . في الحقيقة ...تعتبر هذه الفقرة هي الأوضح استبسالاً و الأشدّ تأثيراً في مسار التقرير و تقييمه و أبعاده بخصوص عفرين ، و هي الأكثر سوادا و اجحافاً بحق عفرين و سكانها ، لما ترتبه عباراتها من آثار و هدر للحقوق و منجاةٍ للجناة ، من خلال إلصاق السيطرة الفعلية بالجماعات المسلحة دون تركيا ، خلاف الواقع و الحقيقة ، و ايضا من خلال تعبيرها عن عدم قدرتها في التثبت مما اذا كانت تركيا قادرة على ضبط تلك الجماعات ام لا . سنأتي إلى بيان الابعاد الخطيرة لهذا الكلام قانونا في ختام عرض الفقرات. بالنسبة للفقرة (٦٤)...اقتصرت على تأكيد غياب الأمن نتيجة غياب سلطة القانون ، و كذلك اكدت على حالات الاختطاف و الاختطاف لقاء الفدية . و الفقرة (٦٥).. تتابع السياق ذاته و تبين أن استنجاد من تعرضوا للمظالم  بمراكز الشرطة و السلطات التركية تكون دون جدوى . اما الفقرة (٦٦)...فتشير الى عمليات الاحتجاز التعسفي و التعذيب و اساءة المعاملة و مصادرة الممتلكات و المركبات و المواشي . و تنسب كل ذلك الى الجماعات المسلحة . و لكي يتثبت القارئ الكريم اكثر من  أننا لا نتهم اللجنة بالتحيّز و عدم المهنية جزافاً ، لاحظوا كيف انها في هذه الفقرة ايضا ، لمجرّد أنها تأتي لذكر دور تركيا في  تلك الاحتجازات التعسفية ، فإنها تمهد لذلك بأنها تطال المتهمين بانتماءهم لوحدات حماية الشعب و غيرها . الفقرة ( ٦٧)....تشير الى اعمال النهب و النهب الجماعي لحصاد الزيتون و فرض الضرائب و الرشاوى و مضايقات النساء. الفقرة (٦٨) ...تعبر اللجنة من خلالها الى وجود تباين في المعلومات الواردة حول وجود القوات التركية في عفرين بين النفي و التأكيد . و هذا تأكيد آخر لاصرار اللجنة على ابعاد تركيا من المسؤولية . الفقرة (٦٩)...تبرز بوضوح التناقض الكبير بينها و بين كل الفقرات الاخرى ، و بالتالي التناقض في استنتاجات اللجنة . فتصوروا أن هذه الفقرة تتحدث عن ورود انباء بأن السلطات التركية تراقب الهياكل التنفيذية و القضائية و الادارية و تنسق فيما بينها و تمولها ، و تدعم المجالس المحلية و تصدر الهويات . فإن كانت الجماعات المسلحة تسيطر فعلياً على المناطق الفرعية (فقرة ٦٣) و إن كانت أيضا تتقاتل فيما بينها على مناطق السيطرة (فقرة ٣٥) ،و اذا لم تكن أو لم تتأكد ولاية تركيا على تلك الفصائل (الفقرتين ٦٣ ، ٧١ ) ، في ظل كل ذلك نتساءل و يتساءل المنطق ، كيف تقوم تركيا بكل ذلك و من أجل ماذا ، أي كيف و لماذا تراقب و تنسق و تموّل و تدعم تلك الهياكل و المجالس . و بالنسبة لاصدار الهويات او بطاقات التعريف الموحدة في كامل الاقليم و بصرف النظر عن الغاية منها و استخداماتها ، كيف توحدت تلك الفصائل و الجماعات المتناحرة و على رأسهم تركيا في اصدار تلك الهويات و باللغتين العربية و التركية و بشعار و علم ما تسمى بالثورة السورية .؟؟؟؟ الفقرة (٧٠)...تشير الى ورود معلومات بأن القضاة و المحامين السوريون يجري تعيبنهم من وزارة العدل التركية ، ايضا تقوم تركيا بتدريب افراد الشرطة السوريون في الاقليم . و بالتالي تُثار ذات التساؤلات و نقاط الاستفهام التي وردت في الفقرة أعلاه . أما الفقرة (٧١) ...و إن كانت قد أتت على ذكر شيء تكاد تحسم صحته ، و هو ارتكاب جرائم حرب في عفرين ، إلا أن الفقرة تداركت منهجها و سارعت إلى ذكر بأنّ اللجنة لا زالت لا تدرك ما اذا كان الوجود التركي في عفرين هو احتلال أم ، لأن الوارد في الفقرة هي بحذافيرها نفيٌ لمقومات الاحتلال و شروطه . نأتي الى الفقرة الاخيرة الخاصة بعفرين و هي (الفقرة ٨٩) ... حيث اتت على ذكر النزوح من جراء الاعمال القتالية ، و بعض ما وقع على النازحين لجهة نهب منازل البعض منهم و لجهة استيلاء المسلحين و اسرهم على بعضها . ليكون بالتالي في ختام فقرات التقرير الخاصة بعفرين أيضاً مصيبةً اخرى وهي : أن التقرير في مناسبة ذكر النازحين ، لم يتطرق لأخطر الجرائم في عفرين  على الإطلاق، و هي جرائم التهجير القسري الممنهجة  بحق الكورد ، والتي تسعى اليها تركيا بدعم من الجماعات المسلحة . بل صوّر التقرير من خلال ذكره لعودة عشرات الالاف  ، وكأن العودة مباحة و طبيعية بخلاف الواقع . القارئ الكريم : أمرّ لا يمكن ان يقبله عقلٌ أو منطق ، أن تخرج علينا اللجنة بالقول بأنها لم تتأكد من أن الوجود التركي في عفرين هو احتلال أم لا عبر القول بأنه ( لا تزال اللجنه غير قادره على ان تؤكد على وجه الدقه المدى الذي كانت في حدوده عفرين وضواحيها تحت سيطره القوات التركيه او الجماعات المسلحه وقت كتابه هذا التقرير ولا ماذا كانت القوات التركيه قادره على ممارسه السلطه الفعليه و القيام بالمهام الحكوميه في عفرين . و بسبب الغياب الصارخ لسياده القانون لا يزال من غير الواضح بالمثل ما اذا كانت القوات التركيه قادره على ممارسه السيطره الشامله على اي جماعات مسلحه موجوده في المنطقه ( فالاحتلال حسب المادة (٤٢) من اتفاقية لاهاي (( تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها )) . من المخزي ان يخرج تقرير اللجنة خالياً من هاتين الحقيقتين الدامغتين و هما : أولا...أن تركيا قوة و سلطة احتلال في عفرين و بالتالي تترتب عليها كافة واجبات و مسؤوليات المحتل الواردة في الصكوك الدولية و اعرافها و اجتهاداتها القضائية ، كما تتحمل مسؤولية كافة الجرائم و الانتهاكات التي ارتكبتها بالذات او ارتكبتها الجماعات المسلحة بصرف النظر ان كانت تابعة لها أم لا لأنها هي المسؤولة عن الامن و الاستقرار ثانيا ...جرائم التهجير القسري التي ترتكب في عفرين و بمختلف السبل و الوسائل ، و التي نستهدف الكورد ،بغية محو خصوصية عفرين الكوردية . حقيقةً ..لا نرى في تقريركم من إضافةٍ و قيمة لما ورد فيه ، طالما لم يحدّد و ينسب ادنى مسؤولية لتركيا فيما يحدث في عفرين .

 عماد الدين شيخ حسن .

 عن مركز ليكولين للدراسات و الأبحاث القانونية .المانيا 

في ٧/٣/٢٠١٩ 

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.