العدالة و العدل و بناء الانسان القانوني السليم




العدالةُ والعدل وبناء الإنسان القانوني السليم :

الإيمان بضرورة الأسس السليمة لأي عملٍ أو توجّهٍ و مسعى للوصول إلى نتائج سليمة و مُرجاة ،يُحتّم على أي عمل قانوني الوقوف على هذه الاسس ببالغ الدقة والتركيز ،لبناء الإنسان القانوني السليم كمنطلق لتحقيق ما نصبو إليه.تماماً كغاية العدالة من العدل .وخير ما نبدأ به لبناء ذاك الأساس هو التزود بالذخيرة العلمية  من كافة العلوم والتبحّر في الثقافة وعلم القانون بصفةٍ خاصة ومن مهدها.
فمن بالغ القصور أن يخلط القانونيّ صاحب الاختصاص بين مفهومي العدل والعدالة  كمضمونين وغايتين للقانون والقضاء ومنطلقاً لهما.
والعدل كمفهوم،لا بد من معرفة أنه عامٌ ومجرّد وشكليّ ،وفرعٌ لأصلٍ هلامي هو العدالة ،فتحقيق العدل ليس بالضروريّ أن يحقّق العدالة .
فالعدل: في الشرائع والقوانين يفيدان المساواة .وقوامه تنظيم وتعيين الحقوق والالتزمات والعقوبات لكلّ مركزٍ ووضعٍ قانونيّ معين ،بواقعٍ يسري على الجميع ولا يستثني أحداً ممن هم في ذات الحالة القانونية .
أمّا العدالة :وهي الأصل والغاية فهي الانصاف والملائمة و الأخذ باعتبارات الظروف الخاصة ودافع كلّ فعلٍ ،بهدف التخفيف من حدّة وصرامة القاعدة القانونية أو التشريع بقالبها العام المجرّد.
وبالتالي فتطبيق العدل ليس بالضرورة كما أسلفنا أن يكون عادلاً ،فحيث من الممكن أن يطبّق قانونٌ أساسه العدل طبعاً ،أي المساواة بين أفراد توافرت فيهم شروط تطبيق ذلك القانون ،ولكن يكون ذلك العدل في التطبيق ليس عادلاً بالنسبة للبعض منهم،كأن تكون لديهم دوافع خاصة ومعينة تجعل من الظلم وعدم الإنصاف المساواة فيما بينهم وسريان ذات القاعدة القانونية بأحكامها وعقوبتها مثلاً على الجميع دون الاخذ بالاعتبارات والدوافع الخاصة والمختلفة فيما بينهم..
لذلك يشبّه البعض العدل بأنه جائرٌ غير رحيم  ولا يراعي الظروف الخاصة والفردية .فيكون أصحاب تلك الظروف ضحايا العدل الشكلي المجرّد .
ويعود التمييز بين هذين المفهومين الى فلاسفة اليونان القدماء وعلى رأسهم أرسطو ،وكذلك يميز الفقه القانوني الحديث فيسمي العدل ب(العدل الشكلي للقانون) والعدالة ب (الإنصاف والعدل الجوهريّ).
وبمثالٍ بسيط يمكن تقريب فكرة المفهوم للقارئ أكثر...كحالة أمرأتين أقدمتا على السرقة ،إحداهنّ بدافع إرضاء ذاتها وشراء ذهبٍ تتزين به مثلاً،والثانية بدافع شراء ما يسكت جوع أطفالها بالمال المسروق .فهنا في هذه الحالة الشريعة والقانون يساويان بين الحالتين ويفرضان العقوبة نفسها .وتتحقق المساواة في أن كل سارق يعاقب ،ولكن لا تتحقق العدالة والانصاف وضرورة النظر الى خصوصية الظروف واعتباراتها.
لذلك يمكن القول بأن الغاية والأصل دوماً هي العدالة و ما العدل من خلال التشريع إلا وسيلةٌ من وسائل الوصول الى العدالة وفرعاً من فروعها،على اعتبار استحالة الإحاطة من خلال القواعد القانونية بكل الحالات الفردية والخاصة ودوافعها ،لذلك كانت تلك القواعد عبارة عن قواعد عدل مجرّدة  يستند إليها المناط بهم تطبيقها كالقضاة مثلاً،وفقاً لإعتبارات عديدة أهمها و أمثلها،شعور القاضي بالإنصاف في ضميره النقي و عقله السليم و اعتماده ما يسمّى بقواعد العدالة .
لذلك تبرز أهمية ما يسمى بالإنسان القانوني السليم المتسلّح بمعرفة ليس المضمون الشكلي للقوانين فحسب وإنما معرفة ما خلف تلك القونين و روحها وغايتها ليكون ناجحاً في المستويين معاً،حين إحقاق العدل في سن القوانين ،وإحقاق العدالة في تطبيقها .

مركز ليكولين للدراسات - دويسبورغ